ثلاث سنوات من الصمت حكايات اسما السيد
حصري ممنوع من النسخ
بعد ثـلاث سـنوات مـن الغيـاب وجـدوه داخل منزلـه متحـللا..يشع منه رائحة الوحده والخذلان والوجع .
بعد ثلاث سنوات من الغياب وجدوه داخل منزله متحللًا
لم يكن في الحارة ما يلفت الانتباه سوى ذلك البيت الصامت الذي ظل بابه مغلقًا ثلاث سنوات كاملة دون أن يجرؤ أحد على طرقه بصدق ودون أن يعترف أحد بأنه كان يعرف في داخله أن الغياب طال أكثر مما ينبغي وأن الصمت لم يكن طبيعيًا وأن رجلًا كان يسكن هنا ذات يوم لم يعد يُرى ولا يُسمع لكنهم اعتادوا الأمر كما يعتاد الناس كل ما لا يريدون مواجهته.
في البداية قالوا إنه سافر ثم قالوا إنه مريض ثم قالوا إن أولاده أخذوه بعيدًا ثم توقفوا عن السؤال تمامًا لأن السؤال يحمّل القلب مسؤولية والإجابات كانت ستقودهم إلى ذنب لم يكونوا مستعدين لحمله فصار البيت جزءًا من المشهد مثل عمود إنارة معطل أو شجرة يابسة لا ينتبه لها أحد.
الحاج شريف لم يكن غريبًا عن الحارة كان يعرف أسماء الأطفال ويجلس أمام دكانه كل صباح يوزع السلام والابتسامة ثم في يوم واحد أغلق الدكان واختفى الضوء خلف الشباك ولم يخرج بعدها أبدًا وكأن حياته قررت أن تنسحب بهدوء دون إعلان.
الذي أعاد فتح الحكاية لم يكن حنينًا ولا سؤالًا بل رائحة ثقيلة بدأت تتسلل في أيام الحر وتزداد ليلًا حتى لم يعد أحد قادرًا على تجاهلها ومع ذلك ظلوا يفسرونها بكل شيء إلا الحقيقة لأن الحقيقة كانت ستجعلهم شركاء في ما حدث.
وحين قالت أم سعدة بصوت مسموع إن هذه ليست رائحة قمامة بل رائحة مو…ت لم ينتبه لها أحد.. فقط سقط الصمت على الحارة دفعة واحدة وكأن الجميع كان ينتظر من يقولها نيابة عنه.
بعد سنوات اسقط أبناء الحي الكره داخل بيته فغامر أحد الأطفال بالدخول وسرعان ما صرخ والأطفال من حوله..علم الجيران..جاءت الشرطة وجاء موظف الحي ووقفوا أمام الباب المغلق الذي لم يُفتح منذ سنوات وحين كُسر القفل خرج هواء ثقيل محمّل بزمن متعفن ودخلوا بيتًا لم يدخله أحد منذ توقف القلب الذي كان يسكنه.
كان البيت كاملًا كما تركه صاحبه الأثاث في مكانه الصور على الجدران الساعة متوقفة عند لحظة واحدة وكأن الزمن قرر أن يمو…ت معه ولم يتجرأ على التحرك بعدها.
وفي غرفة النوم وجدوه ….عجبتك عندك شغف تكملها صلي على محمد وال محمد وتابع التعليقات 🎁 💥
ممددًا على السرير أو ما تبقى منه جسد ذاب في الغياب وملامح محتها الوحدة وثياب ارتداها لينام ولم يصحُ بعدها وعلى الطاولة كوب فارغ ودواء مفتوح وورقة صغيرة مطوية لم يلتفت لها أحد في البداية لأن المو..ت حين يُرى يسرق الانتباه من كل شيء آخر.
حُمل الجسد في صمت ووقف الناس ينظرون دون أن يطيلوا النظر لأن النظر اعتراف والاعتراف موجع وكل واحد فيهم كان يسأل نفسه سؤالًا خافتًا هل كان يمكن إنقاذه وهل سمع أحد صوته يومًا ثم قرر أن يصمت.
ظهرت منى ابنته تركض بين الناس ووجهها شاحب وعيناها تعرفان قبل أن تُخبر وصاحت حين رأت النقالة صرخة لم تكن بكاء فقط بل دهشة متأخرة كيف يمو….ت أبها وحده دون أن تدري وكيف مرّت ثلاث سنوات كاملة وهي تظن أن صمته عقاب لا استغاثة.
دخلت البيت وانهارت أمام الفراغ وضربت صدرها وهي تردد أنها كانت تظنه قويًا قادرًا على الاحتمال ولم تفهم أن القوة الطويلة تنتهي بصمت قاتل.
حين فُتحت الورقة قرأوا صوت الحاج شريف للمرة الأخيرة صوت رجل تعب من الصبر ومن الخجل من الطلب ومن تبرير غياب أولاده حتى صدّق أن وجوده زائد وأن الوحدة قدر لا يُناقش.
كتب أنه لا يلوم أحدًا لكنه تعب وأن التعب أحيانًا يكون أكبر من الكرامة وأنه كان يحتاج فقط لمن يطرق الباب ويسأل إن كان بخير وأن الغياب الطويل يقتـ,ـل الإنسان وهو حي قبل أن يتوقف قلبه.
جلست منى بعدها ساعات لا تبكي بل تنكسر قطعة قطعة وتعيد في رأسها آخر مكالمة بينهما حين قال لها ربنا يرضى عنك وكانت مستعجلة ولم تفهم أن الدعاء كان وداعًا أخيرًا.
جاء أخوها سامر وقال إنه كان يرسل المال وظن أن المال يكفي ولم يفهم أن الإنسان لا يعيش بالمال وحده بل بصوت إنسان آخر يجلس أمامه ويشاركه الصمت.
أقيمت الجنازة وكان الحضور كثيفًا على غير المتوقع لأن الناس تحب أن تظهر عند النهاية حيث لا يُطلب منها فعل شيء سوى البكاء السريع ثم العودة للحياة.
بقيت منى في البيت أيامًا تنظف وتفتح الأدراج وتكتشف حياة أبيها التي عاشها وحده وتجد رسائل لم تُرسل لأنه كان يخجل أن يضعف أمام أولاده الذين اعتادوا أن يروه جبلًا.
قرأت الرسائل وفهمت أن القوة التي صدقوها كانت قناعًا وأن الغياب لم يكن قسوة بل هروبًا من وجع قديم.
فتحت دكانه القديم وجلست مكانه وعلّقت ورقة كتبت فيها أن البيوت المغلقة لا تعني أن أصحابها بخير وأن طرقة باب قد تنقذ روحًا من المو..ت البطيء.
مرت الشهور وبقي الذنب ساكنًا في قلبها لكنه تحوّل إلى معنى إلى وعد بألا تترك أحدًا يمو…ت صامتًا خلف باب مغلق.
وفي ليلة جاءها طفل بطبق طعام من أمه فابتسمت للمرة الأولى لأنها أدركت أن الرحمة تبدأ بأشياء بسيطة وأن أباها لو طُرق بابه ذات ليلة ربما لم تكن هذه القصة تُكتب.
أغلقت النور وتركت نافذة صغيرة مفتوحة لأن البيوت التي تُغلق تمامًا تمو..ت سريعًا ولأن الإنسان لا يمو..ت حين يتوقف قلبه فقط بل حين يتوقف الآخرون عن رؤيته وهو حي.
اللهم
ارحم من ماتوا ولم يجدوا من يسأل عنهم
ومن تعبوا من الانتظار أكثر مما تعبوا من الحياة
ومن ظنّوا أن الصبر فضيلة حتى فاضت أرواحهم
اللهم
علّم قلوبنا أن تسأل قبل أن تندم
وأن نطرق الأبواب قبل أن تُفتح القبور
وأن نكون رحمة قبل أن نصبح ذكرى
عن قصه حقيقيه حدثت بالفعل..تمت حصري حكايات اسما السيد