حكايات سيدة الظل

الجزء الأول

لم يكن إرسال بطاقات الزفاف بالنسبة له مجرد إجراء اجتماعي بل كان إعلانًا صامتًا عن انتصاره الشخصي وكان يحرص وهو يكتب الأسماء أن يتوقف عند اسم واحد فقط يكتبه ببطء كأنه يستدعيه من قاع ذاكرته لا ليكرمه بل ليضعه في المكان الذي يراه مناسبًا وعندما وقعت عينا خطيبته الجديدة على الاسم توقفت ورفعت حاجبها باستغراب وسألته من تكون ليلى آدمز أشعر أن الاسم ليس غريبًا ابتسم وهو يعدل رابطة عنقه أمام المرآة تلك الابتسامة التي تعلم كيف يخفي بها كل شيء وقال إنها زوجتي السابقة أو لنقل الخطأ الذي صححته ثم أكمل دون أن ينظر إليها أردت أن تكون موجودة لترى ما وصلت إليه ولتدرك أن الفرص لا تنتظر من لا يعرف قيمتها

لم تكن خطيبته مهتمة بالتفاصيل فقد أعجبها فيه دائمًا هذا الإحساس بالتفوق وهذه الطريقة التي يتحدث بها عن الماضي كأنه عبء تخلص منه لا مسؤولية هرب منها ولم تسأل أكثر لأنها لم تكن تحب أن ترى خلف الصورة التي رسمها لنفسه

أما ليلى فكانت تعيش حياة بعيدة عن كل هذا الصخب مدينة صغيرة هادئة بيت متواضع عمل ثابت وطفل يكبر يومًا بعد يوم لا يعرف عن والده سوى اسم غائب وملامح في المرآة لم تخبره يومًا بالكثير لم تشوه صورته ولم تجمله فقط تركت الحقيقة مؤجلة إلى أن يكبر بما يكفي ليفهمها وحده

عندما وصلها الظرف الأبيض لم تفتحه فورًا تركته على الطاولة ساعات طويلة كأنه جسم غريب اقتحم عالمًا لم يعد ينتمي إليه وعندما قرأت الاسم شعرت بوخزة خفيفة لا ألم فيها بل دهشة قديمة دهشة أن بعض الناس يظنون أن الماضي يظل واقفًا حيث تركوه لا يتحرك ولا ينضج ولا يشفى

عادت ذاكرتها سنوات إلى الوراء إلى شقة باردة وحلم هش ورجل كان يملك الطموح ولا يملك الشجاعة باعت ذهبها يومًا بعد يوم لتدعمه صدقته حين كذبه الجميع وحين أخبرته بحملها لم تطلب وعدًا ولا زواجًا جديدًا فقط انتظرت ابتسامة تشبه الفرح لكنه نظر إليها نظرة جامدة وقال إنه غير مستعد لأن يكون أبًا وإنها تقيده وإنه يريد أن يعيش وينجح ثم جمع أشياءه وخرج وتركها مع جسد يتغير وروح تتكسر وأسئلة بلا إجابة

لم تلاحقه لم تفضحه لم تطلب شفقة أحد فقط مضت إلى الأمام ببطء شديد كمن يتعلم المشي من جديد وكل خطوة كانت وجعًا لكنها كانت لها وحدها

الآن وبعد سنوات يدعوها إلى زفافه لم يكن في الدعوة احترام ولا ندم بل رغبة طفولية في الإذلال في أن يثبت لنفسه قبلها أنه كان على حق وأنها كانت عبئًا وأن تخليه عنها كان الخطوة الصحيحة نحو النجاح

جلست ليلى تلك الليلة تفكر طويلًا لم تبك لم تغضب فقط فكرت ثم نهضت وفتحت درجًا قديمًا أخرجت منه ملفًا سميكًا لم تفتحه منذ سنوات لم يكن ملف انتقام بل ملف أمان احتفظت به يومًا ما حين تعلمت أن بعض الناس لا يرحلون نهائيًا بل يعودون حين يظنون أنك ما زلت في المكان نفسه

قررت أن تذهب

ليس لتستعيد شيئًا

ولا لتكسر قلبًا

بل لتغلق بابًا تركته مواربًا طويلًا

حل يوم الزفاف وكانت القاعة تلمع بالأضواء والضحكات المصطنعة وكان هو يقف في المنتصف يتفقد الحضور بعين رجل يعتقد أنه يملك المشهد كله وكان ينتظر لحظة دخولها ينتظر أن يرى في عينيها حسرة أو غيرة أو ندم

وحين فُتح الباب ودخلت ليلى لم تكن كما تركها لم تكن منكسرة ولا باهتة كانت هادئة ثابتة الخطى تحمل في عينيها شيئًا لم يفهمه في اللحظة الأولى شيئًا يشبه السلام أو النهاية وانتشر الهمس في القاعة لا بسبب فستانها ولا بسبب جمالها بل بسبب حضورها المختلف حضور امرأة لا تطلب شيئًا ولا تنتظر شيئًا

وفي تلك اللحظة شعر بشيء يتحرك في صدره لم يكن ندمًا بل خوفًا غامضًا لا يعرف سببه بعد

وقف يراقبها من بعيد وهي تتقدم بين الصفوف بثبات لم يكن في خطواتها ارتباك ولا في عينيها ذلك الانكسار الذي تخيله طويلا بل كان هناك هدوء غريب أربكه أكثر من أي دموع وكان يشعر أن القاعة التي ظنها مسرح انتصاره بدأت تضيق عليه كأن الجدران تقترب ببطء وكلما اقتربت ليلى من المقدمة شعر بأن الهواء يثقل في صدره وبأن صورته التي رسمها لنفسه أمام الجميع بدأت تتشقق دون سبب واضح وعندما وصلت إلى مقعدها لم تنظر إليه مباشرة بل جلست بهدوء ووضعت حقيبتها إلى جوارها وابتسمت لامرأة تجلس بقربها ابتسامة عادية خالية من أي انفعال كأنها ضيفة لا شأن لها بالعريس ولا بالماضي ولا بالمواجهة
بدأت المراسم ووقف هو إلى جوار عروسه يبتسم للكاميرات ويصافح الضيوف لكنه كان يسرق النظر إليها بين لحظة وأخرى محاولا أن يلتقط منها إشارة واحدة ندم غيرة ألم أي شيء يطمئنه أنه ما زال يملك تأثيرا عليها لكنه لم يجد سوى ذلك الهدوء المستفز الذي جعله يشعر لأول مرة بأن الدعوة التي أرسلها لم تؤلمهـا بل أعادته هو إلى دائرة لم يكن مستعدا للوقوف فيها
ومع تقدم الوقت بدأ الهمس يزداد في القاعة بعضهم يعرف القصة كاملة وبعضهم يعرف أجزاء منها وبعضهم يربط بين ملامح الطفل الذي دخل لاحقا برفقة امرأة أخرى وبين ملامحه هو ولم يكن الهمس صاخبا لكنه كان كافيا ليصنع شرخا في الجو المثالي الذي خطط له وعندما اقتربت لحظة الكلمات الرسمية تقدم أحد الشركاء التجاريين ليُلقي كلمة تهنئة وتحدث عن النجاح وعن المسيرة وعن النزاهة والثقة وعن الشراكات التي تُبنى على المسؤولية وفي كل كلمة كان يشعر كأن الحديث موجه إليه مباشرة لا كمدح بل كتذكير بشيء يعرف في داخله أنه يفتقده
وفي تلك اللحظة بالذات نهضت ليلى بهدوء وطلبت الحديث لم ترفع صوتها ولم تطلب انتباها مبالغا فيه فقط وقفت وقالت إنها تشكر الدعوة وتشكر الجميع على حسن الاستقبال وإنها لا تنوي إفساد الفرحة لكنها شعرت أن من حقها أن تقول شيئا بسيطا ثم أخرجت من حقيبتها ملفا صغيرا ووضعته على الطاولة القريبة وقالت إن هذا ليس تشهيرا ولا انتقاما بل توثيق لحقيقة تركت آثارها سنوات طويلة وإنها لم تأت لتأخذ شيئا بل لتعيد شيئا إلى مكانه الصحيح
ساد الصمت ولم يتحرك أحد وبدأت الكلمات القليلة التي قالتها تثقل أكثر من أي صراخ تحدثت عن امرأة آمنت برجل حين لم يؤمن بنفسه وعن حمل جاء في وقت صعب وعن رجل اختار الرحيل لا لعدم القدرة بل لعدم الرغبة وعن طفل وُلد بلا اعتراف ولا اسم رسمي وعن سنوات تحملت فيها وحدها ما كان يفترض أن يُقسم بين اثنين ولم تتهم ولم تشتم ولم تطلب شفقة فقط قالت إنها جاءت اليوم لتقول إن النجاح الذي يُبنى على الهروب لا يكتمل وإن الماضي الذي يُداس عليه لا يختفي
لم تذكر اسمه ولم تنظر إليه مباشرة لكنها كانت تنزع عنه قناعه أمام الجميع كلمة كلمة وبدأت الوجوه تتغير بعضهم أنزل بصره بعضهم تبادل نظرات محرجة وبعضهم شعر أن الأرض فعلا تتمنى أن تنشق وتبتلع المكان كله أما هو فكان واقفا عاجزا عن الحركة لأول مرة لا يعرف ماذا يقول ولا كيف يبتسم ولا كيف يستعيد السيطرة
أنهت ليلى كلامها بهدوء وقالت إنها لا تطلب شيئا ولا تنتظر اعتذارا وإنها فقط أرادت أن تقول الحقيقة وتمضي ثم جمعت ملفها وعادت إلى مقعدها وأمسكت بيد طفلها الذي كان يقف قريبا منها ونظرت إليه نظرة قصيرة لم تكن اتهاما ولا عتابا بل وداعا أخيرا ثم سارت نحو الخارج بخطوات ثابتة ومع كل خطوة كان يشعر أن شيئا من داخله ينهار لا بسبب الفضيحة بل بسبب الإدراك المتأخر أنه لم يخسر امرأة فقط بل خسر إنسانا كان قادرا على أن يقف معه حين لم يكن شيئا
بعد تلك الليلة لم يعد شيء كما كان لم تنهَر حياته فجأة ولم تختفِ أمواله بين يوم وليلة لكن صورته بدأت تتآكل ببطء الشركاء أصبحوا أكثر حذرا الأسئلة أكثر مباشرة الدعوات أقل الحضور أضعف ومع الوقت أصبح اسمه يُذكر مقترنا بالقصة لا بالنجاح فقط أما ليلى فقد عادت إلى حياتها الهادئة لم تنتظر نتيجة ولم تتابع أخباره لأن ما جاءت من أجله قد انتهى لقد أغلقت الباب أخيرا لا بالغضب ولا بالانتقام بل بالحقيقة
وفي إحدى الليالي كتبت في دفترها جملة واحدة بعض الناس يظنون أن دعوتك إلى فرحهم إهانة لك ولا يعلمون أنك حين تأتي لا تحمل وجعك بل تحمل نهايتهم ثم أغلقت الدفتر ونامت بسلام لأنها عرفت أن أكبر صفعة في الحياة ليست أن تُذل بل أن تتجاوز وأنت مرفوع الرأس

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *