ذهب إلى زفاف صديقه برفقة ابنته… وعندما رفع العريس غطاء وجه العروس انهار باكيًا
كانت سميكة، بلون عاجي، مكتوبة بحروف ذهبية، ومربوطة بشريط أخضر داكن.
يتشرف ماجد العتيبي وتهاني آل ناصر بدعوتكم لحضور حفل زفافهما.
بقيت أحدق في الظرف لدقائق طويلة.
ماجد.
نفس ماجد الذي جرّني إلى تلك المناسبة التي عرفت فيها ريم.
نفس ماجد الذي أقرضني المال يوم مرضت جود ولم أكن أملك ما يكفي لنهاية الشهر.
نفس ماجد الذي كان بجانبي عندما أخبروني أن زوجتي قد ماتت.
أعز أصدقائي.
لم أفهم لماذا لم يخبرني من قبل أنه سيتزوج.
اتصلت به.
قلت فور أن أجاب
تهاني؟
ساد صمت غريب.
ثم قال بصوت متعب
لازم تجي يا فيصل.
من متى وأنت خاطب؟
تعال.
ماجد.
قال بصوت منخفض
وجيب جود معك.
أزعجني ذلك.
ليس بسبب الدعوة.
بل بسبب نبرة صوته.
وكأنه لا يطلب مني الحضور.
بل يستغيث من مكان لا يستطيع أن يتكلم فيه بحرية.
قلت بقلق
ماجد، وش اللي صاير؟
تنفس بعمق.
إذا باقي تثق فيني… تعال.
ثم أغلق الخط.
لم أنم تلك الليلة.
وفي صباح اليوم التالي، وجدت جود الدعوة على الطاولة وهي تتناول الحليب مع البسكويت.
قالت بعفوية
بنروح زواج يا بابا؟
كانت في السادسة من عمرها.
لديها عينا ريم، وطريقتي الغريبة في عقد حاجبيها حين لا تفهم شيئًا.
قلت
ما أدري.
سألت بحماس
بيكون فيه كيكة؟
ابتسمت رغم قلقي
أكيد.
قالت بثقة
أجل لازم نروح.
ابتسمت من أجلها.
وذهبت من أجلها.
لأنني طوال خمس سنوات كنت أحاول ألا تكبر جود داخل حزني.
كنت
آخذها إلى المنتزهات في الرياض، أشتري لها الآيس كريم حين يتوفر معي مال زائد، وأخبرها أن أمها في مكان جميل عند الله لأنني لم أعرف كيف أشرح لطفلة موتًا بلا قبر، ولا وداع، ولا جسد رأيته بعيني.
كان الزفاف في مزرعة فاخرة خارج الرياض، في مكان هادئ محاط بالنخيل والحجر الأبيض والإضاءة الناعمة.
كل شيء كان يفوح برائحة العود، والعشب المبتل، والمال القديم.
سيارات سوداء فارهة تدخل من طريق طويل مرصوف.
نساء بعباءات أنيقة ينزلن ببطء.
رجال بثياب ناصعة وغتر مرتبة يتحدثون عن الأعمال كأنهم في اجتماع شركات لا في حفل زفاف.
ارتديت بدلتي الوحيدة المناسبة.
أما جود فارتدت فستانًا أزرق فاتحًا وحذاءً ضيقًا، لكنها رفضت خلعه لأنها قالت
الأميرات يتحملون في الأعراس.
أوجعتني الجملة.
كثير من النساء يتحملن وهن يظنن أن التحمل جزء من الأناقة.
كان ماجد ينتظرني قرب المدخل.
بدا أنحف من قبل.
تحت عينيه هالات واضحة.
لم يكن يشبه عريسًا.
كان يشبه رجلًا ينتظر حكمًا.
قال
شكرًا إنك جيت.
عانقته، لكنه لم يبادلني العناق كعادته.
سألته مباشرة
وش السالفة؟
نظر إلى جود وقال
أهلًا يا صغيرة.
قالت جود
أهلًا عمو ماجد. وين العروس؟
شحَب وجهه.
داخل.
حلوة؟
أغلق عينيه لحظة وقال
إيه… مرة.
كنت أريد أن أسأله أكثر، لكن امرأة كبيرة في السن ظهرت أمامنا، ترتدي عباءة فاخرة وعقدًا من اللؤلؤ.
عرفتها فورًا.
نورة.
أم ريم.
المرأة التي قالت لي عبر الهاتف إن زوجتي ماتت، وطلبت مني ألا أتصل مرة أخرى.
لم تبدُ أكبر بكثير مما كانت عليه.
بعض القسوة تحافظ على أصحابها بشكل مخيف.
نظرت إلي وكأنها رأت بقعة على أرضية نظيفة.
قالت ببرود
وش جابك هنا؟
شدّت يدي على يد جود.
قلت
وصلتني دعوة.
نزلت عيناها نحو ابنتي.
ولثانية واحدة تحرك فمها كأنها كادت تقول شيئًا.
اختبأت جود قليلًا خلفي.
همست
مين هذي يا بابا؟
قلت
لا أحد مهم.
رفعت نورة ذقنها وقالت
اطلع يا فيصل.
نفس النبرة التي سمعتها من حارس بيتهم قبل خمس سنوات.
وقف ماجد بيننا وقال
أنا اللي عزمته.
قالت له بغضب مكتوم
ما كان لك حق.
رد بصوت منخفض لكنه ثابت
بعد اللي صار… ما عاد عندي خوف كثير.
نظرت إليه بحقد.
وفي تلك اللحظة عرفت أن هذا الزفاف ليس طبيعيًا.
بدأ المدعوون يجلسون أمام منصة مزينة بالورود البيضاء.
كان هناك عزف هادئ.
وكان المأذون يقف قرب طاولة صغيرة عليها ملف جلدي.
كل شيء بدا مثاليًا.
مثاليًا أكثر من اللازم.
أجلسني ماجد في الصف الأول، قريبًا من الممر.
همس
خلك هنا.
قلت بغضب مكتوم
ماجد، قل لي وش اللي يصير.
نظر إلي بعينين ممتلئتين وقال
سامحني إني ما عرفت قبل.
لم أستطع الرد.
تغيرت الموسيقى.
وقف الجميع.
وقفت جود على أطراف أصابعها لترى أفضل.
ظهرت العروس في نهاية الممر.
كانت ترتدي فستانًا بسيطًا، بأكمام طويلة، بلا مبالغة في الزينة.
كان غطاء وجهها يغطي ملامحها بالكامل.
كانت تسير بجانب رجل عرفته أيضًا.
عبدالعزيز آل ناصر.
والد ريم.
الرجل الذي لم يحضر زواجنا لأنني لم أكن كافيًا في نظره.
شعرت بضربة في صدري.
لم أعرف السبب.
ربما لأن طريقة مشيتها بدت مألوفة.
ربما لأن الجسد يتذكر قبل العقل.
تقدمت العروس ببطء.
خطوة.
ثم أخرى.
كان الهواء يحرك غطاء وجهها قليلًا.
ضغطت جود على يدي.
قالت
بابا… ليش تبكي؟
لم أكن أعلم أنني أبكي.
وصلت العروس أمام ماجد.
لم ينظر إليها كرجل يحب عروسه.
بل نظر إليها كرجل يعتذر.
بدأ المأذون يتكلم، لكنني لم أعد أسمع شيئًا.
تحول العالم حولي إلى ضجيج بعيد.
رأيت عبدالعزيز يجلس بجانب نورة.
رأيت رجلين من الأمن يقفان قريبًا من المنصة.
رأيت يدي ماجد ترتفعان نحو غطاء وجه العروس.
ثم رفعه.
وانهار عالمي.
ريم.
ريم التي فقدتها.
أنحف.
أكثر شحوبًا.
وعيناها ممتلئتان برعب لا يشبه شيئًا.
لكنها حية.
حية.
مالت جود برأسها وقالت بصوت صغير
بابا… هذي الحرمة تشبه ماما.
نظرت ريم إلي.
لم تنظر إلى ماجد.
لم تنظر إلى والديها.
نظرت إلي أنا.
وفي تلك اللحظة، انهار كل شيء.
الحزن.
القبر الذي لم أره.
المكالمة القاسية.
أعياد ميلاد جود الخمسة بلا أم.
الليالي التي كنت أنام فيها ويدي على الجهة الفارغة من السرير.
كل شيء انهار في كلمة واحدة خرجت من فمي كأنها نزيف.
ريم.
وضعت يدها على فمها.
فيصل…
تجمد المكان كله.
وقفت نورة بسرعة وقالت بحدة
كملوا.
ارتبك المأذون.
يا أم…
قاطعته صارخة
قلت كملوا!
تراجع ماجد خطوة إلى الخلف.
وقال
لا.
نهض عبدالعزيز أيضًا.
ماجد، تذكر الاتفاق.
تقدمت نحو
لمحة نيوز
المنصة.
حاول رجلان الاقتراب مني، لكن ماجد رفع يده.
خلوه يمر.
جاءت جود معي، ملتصقة بساقي.
رأتها ريم.
وانكسرت.
لم يكن بكاءً هادئًا.
كان صوتًا خارجًا من عمق أم حُرمت من ابنتها.
قالت وهي ترتجف
جود.
اختبأت ابنتي خلفي.
بابا… هي تعرف اسمي؟
لم أكن قادرًا على التنفس.
سألتها
أنتِ حية؟
يا لها من سؤال غريب.
كانت أمامي.
لكن عقلي كان يحتاج أن يسمعها تقول ذلك.
حاولت ريم أن تقترب.
صرخت نورة
ولا خطوة.
توقفت ريم.
وهنا رأيته.
الخوف.
ليس الذنب فقط.
بل الخوف.
قال ماجد
فيصل… اسمعها.
التفت إليه بعنف
أنت كنت تعرف؟
انخفض وجهه.
من شهرين.
شعرت برغبة جارفة في ضربه.
شهرين؟
قال بسرعة
وجدتها بالصدفة في مستشفى خاص. كانت مع أمها. ما كانت باسم ريم. كانوا مسجلينها باسم تهاني آل ناصر.
قلت مذهولًا
وش؟
أغمضت ريم عينيها وقالت
بعد الحادث قالوا لي إنك ما تبغى تشوفني.
اخترقتني الجملة.
أي حادث؟
قالت بصوت مكسور
السيارة. الليلة اللي طلعت فيها. تشاجرت مع أهلي. كنت أبي أرجع للبيت. لك. ولجود. لكن صار الحادث في طريق الملك فهد. صحيت بعد أسابيع.
تدخلت نورة
صحيتِ مشوشة، ونحن اللي رعيناك.
نظرت إليها ريم.
أنتم حبستوني.
بدأ الحضور يتهامسون.
شد عبدالعزيز فكه وقال
انتبهي لكلامك.
كانت ريم ترتجف، لكنها أكملت
قالوا لي إن فيصل وقّع الطلاق، وإنه ما يبي يسمع عني، وإن جود أفضل من دون أم تركتها. ورّوني أوراق. رسائل. محادثات. كلها مزورة.
شعرت بدوار.
قلت
وأنا قالوا لي إنك متِ.
غطت فمها بيديها.
لا…
قلت بصوت مبحوح
أمك قالت لي.
نظرت ريم إلى نورة.
لم تكن نظرة مفاجأة.
كانت نظرة حزن قديم، كأن قطعة مرعبة من اللغز استقرت أخيرًا في مكانها.
قالت
قلتي لي إنه ما جاء المستشفى.
لم تنكر نورة.
بل قالت ببرود
سويت اللي كان لازم أسويه.
بدأت جود تبكي بصمت.
انحنيت قربها.
حبيبتي…
سألتني
هذي ماما؟
لم أعرف كيف أجيب.
ركعت ريم على بعد خطوات منا.
لم تندفع.
لم تطلب شيئًا.
فقط نزلت إلى مستوى ابنتها.
وقالت بصوت يرتجف
إيه يا عمري… أنا ماما.
نظرت جود إلي، تبحث في عيني عن إذن كي تصدق.
وهذا كسرني أكثر من كل شيء.
قالت هامسة
كنت أحسبك في السماء.
بكت ريم.
وأنا كنت أحسبك بعيدة عني للأبد.
لم تركض جود إلى حضنها.
كان الأمر أكبر من طفلة.
أكبر من خمس سنوات.
أكبر من كذبة.
لكنها خطت خطوة واحدة.
خطوة فقط.
ولم تلمسها ريم.
انتظرتها.
وفي ذلك الصمت، أخرج ماجد ملفًا من تحت الطاولة.
وقال
أنا ما جيت أتزوج.
ارتفعت همسات الحضور.
شحبت نورة.
ماجد.
قال بصوت واضح
جيت أجيب شهود.
أغلق المأذون ملفه وقال
واضح أن الموضوع خرج عن إطار العقد.
رد ماجد
ممتاز. إذن اسمع كشاهد.
فتح الملف.
قبل شهرين وجدت ريم. لم تكن تملك حرية الخروج وحدها. أمها كانت تتحكم بجوالها، ومواعيدها الطبية، وأوراقها الرسمية. لما كلمتها عن فيصل وجود، انهارت. نادوا الأمن. وبعدها وصلتني عن طريق ممرضة ساعدتها.
أومأت ريم برأسها.
ما كنت أتذكر كل شيء. كان عندي فراغات. لكن كنت أتذكر ضحكة جود. أتذكر يدين فيصل وهي مليانة غبار شغل. أتذكر مطبخنا الصغير. وهم كانوا يقولون لي إنها أوهام.
نظرت إلى نورة.
هل أعلنتم وفاتها؟
قال ماجد
ما فيه شهادة وفاة.
سقطت الجملة فوق صدري كصخرة.
تذكرت.
لم أرَ شهادة وفاة.
لم أرَ قبرًا.
لم أحضر جنازة.
فقط مكالمة.
وصوت بارد.
وباب مغلق.
أكمل ماجد
راجعت الجهات الرسمية. لا يوجد تسجيل وفاة باسم ريم آل ناصر. الموجود أوراق خاصة، تقارير طبية مشكوك فيها، وهوية استخدمت لعزلها عن فيصل.
احمر وجه عبدالعزيز.
هذا تشهير.
قال ماجد
وفيه تقارير طبية. ورسائل. وتسجيلات.
حاولت نورة التقدم نحو ريم.
وقفت أمامها.
لا تلمسينها.
نظرت إلي بنفس احتقارها القديم.
تبقى أنت نفس العامل اللي لبس بدلة.
قلت وأنا أحدق في عينيها
وأنتِ تبقين أم دفنت بنتها وهي حية.
حبست الجملة أنفاس المكان.
ازداد بكاء ريم.
التفت ماجد إلى الحضور.
هذا الزواج كان مرتبًا منهم لإجبار ريم على الزواج مني تحت اسم مزور. وأنا قبلت أكمل اللعبة فقط لأخرجها من بيتهم، وأخلي كل هذا يصير أمام شهود. برا فيه محامون وجهات رسمية ينتظرون.
صرخت نورة
كذاب!
لكن صراخها جاء متأخرًا.
في آخر الممر دخل رجلان بلباس رسمي، ومعهما امرأة ترتدي عباءة سوداء أنيقة وتحمل حقيبة ملفات.
تنفس ماجد كأنه ألقى حجرًا من صدره.
هذه محاميتي.
حاول عبدالعزيز المغادرة.
كان أبي يقول دائمًا إن الأثرياء لا يهربون بأنفسهم، بل يرسلون من يهرب نيابة عنهم.
لكن هذه المرة حاول عبدالعزيز أن يركض خطوتين قبل أن يوقفه أحد الرجال.
تحولت المزرعة المثالية إلى فوضى.
مدعوون ينهضون.
أكواب تسقط.
العازفون يجمعون أدواتهم.
امرأة كبيرة تتمتم بالأذكار.
وجود تضع يديها على أذنيها.
حملتها بين ذراعي.
نظرت ريم إليها وكأنها تريد لمسها ولا تجرؤ.
سألت بصوت مكسور
أقدر؟
لم تسألني أنا.
سألت جود.
نظرت إليها ابنتي طويلًا.
صدق أنتِ ماما؟
إيه.
ليش ما جيتي أعياد ميلادي؟
انهارت ريم.
لأنهم خلوني أصدق إنك ما تبغين تشوفيني. ولأني كنت ضعيفة قبل ما أطلع من البيت. ولأني أخطأت. ولأنهم أخذوا حياتي مني، وتأخرت كثير حتى لقيت الطريق.
فكرت جود قليلًا.
ثم مدت يدها الصغيرة ولمست خد ريم.
قالت ببراءة
وجهك يشبه وجهي.
ضحكت ريم وسط بكائها.
وأنتِ تشبهيني أكثر.
لم يتعانقا بعد.
لكن العالم بدأ يتحرك مرة أخرى.
وكان ذلك كافيًا.
في تلك الليلة لم يكن هناك زفاف.
كانت هناك إفادات داخل إحدى غرف المزرعة، ثم في مركز الشرطة.
كانت هناك أوراق.
وأسئلة.
وجروح تُفتح أمام موظفين وأختام رسمية.
حكت ريم كل شيء.
الشعور بالذنب.
ضغط أهلها.
الحادث.
الأسابيع المشوشة.
الشهور التي قضتها في استراحة عائلية خارج الرياض.
الأطباء الذين دفع لهم والدها.
هوية تهاني.
الكذب عن رفضي لها.
صور جود التي أخفوها عنها حتى أرتها إحدى العاملات خبرًا عن شركتي.
وحكيت أنا ما عندي.
الرسالة.
الطلاق.
التنازل عن الحضانة الذي أنهاه محامو
والدها وكأن الأم يمكن أن تُمحى من حياة ابنتها بتوقيع بارد.
والمكالمة التي قالت فيها نورة إن ريم ماتت.
شرحت محامية ماجد أن الحضانة والحقوق الأسرية ليست شيئًا يُرمى بورقة، وأن تزوير الإرادة والضغط على شخص مصاب وتغيير هويته جرائم لا تُغسل بنفوذ عائلة.
كنت أسمع وأشعر بالغضب.
غضب لأنني لم أعرف.
غضب لأنني كنت ضعيفًا حين كنت أحتاج لمحامين.
غضب لأنني صدقت الموت لأن الأغنياء يعرفون كيف يجعلون الكذب يبدو رسميًا.
قضت ريم تلك الليلة في فندق، تحت حماية ماجد ومحاميته.
أما أنا فأخذت جود إلى البيت.
لم ننم.
جلست ابنتي على سريري وهي تحتضن دميتها الصغيرة.
سألتني
ماما طيبة؟
صمتُّ.
لم أرد أن أكذب عليها.
ولم أرد أن أقتل أملًا وُلد للتو في قلبها.
قلت بهدوء
ماما سوت أشياء وجعتنا… لكن كمان صار لها أشياء وجعتها كثير. بنمشي شوي شوي.
سألتني
أنت تحبها؟
نظرت إلى النافذة.
كانت الرياض هادئة في الخارج، وأضواء السيارات تمر في الشارع مثل خطوط بعيدة.
قلت
جزء مني ما وقف يحبها أبدًا.
والجزء الثاني؟
تنفست ببطء.
الجزء الثاني زعلان جدًا.
احتضنت جود دميتها.
وأنا كمان.
في اليوم التالي، جاءت ريم إلى الشقة.
لم تدخل حتى قالت جود إنها تستطيع الدخول.
وقفت عند الباب ومعها حقيبة صغيرة، وفستان الزفاف داخل غلاف أسود.
كانت تبدو كامرأة هربت من شبحها.
نظرت إلى المطبخ.
الطاولة.
رسومات جود على الثلاجة.
الأريكة القديمة.
قالت بصوت خافت
باقي ريحة القهوة المحروقة.
قلت
باقي أسويها غلط.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
ثم رأت صورتها على الرف.
الصورة الوحيدة التي لم أستطع إخفاءها.
هي تحمل جود بعد ولادتها.
متعبة.
جميلة.
قبل أن ينطفئ شيء داخلها.
وضعت يدها على صدرها.
حسبت إنك مسحتني.
قلت
حاولت ألف مرة.
وقدرت؟
لا.
خرجت جود وهي تحتضن دميتها.
قالت بجدية
تقدرين تجلسين… بس مو هنا. هذا مكان بابا.
أطاعتها ريم.
مرت أسابيع ثقيلة ومرتبكة.
زيارات تحت إشراف.
أخصائية نفسية للأطفال.
محامون.
طلبات للمحكمة.
إثباتات رسمية.
تقارير طبية.
إفادات ضد والدي ريم.
حاولت الصحافة الاقتراب حين شمّت رائحة فضيحة عائلة معروفة في الرياض، لكن ماجد أبعدهم قدر المستطاع.
كان يدين لي بذلك.
لم أكن أعرف بعد هل سامحته أم لا.
لكنني كنت أعرف أنه أعاد ريم دون أن يطلب مني إيمانًا أعمى.
في إحدى الأمسيات واجهته.
قلت
كان تقدر تقول لي قبل.
قال
لو قلت لك بدون أدلة، كنت بتروح لبيت أهلها، وكانوا بيخفونها مرة ثانية.
قلت بغضب
خلتني أشوفها لابسة فستان زواج قدامك.
أنزل نظره.
أعرف.
كان هذا قاسيًا.
نعم.
سألته
تحبها؟
هز رأسه ببطء.
مو بالطريقة اللي تفكر فيها. كنت أبي أساعدها. ويمكن كنت أبي أصلح ذنبي لأني أنا اللي أخذتك ذيك الليلة للمكان اللي بدأت فيه كل القصة.
لم أرد.
فالمغفرة أيضًا لها وقتها الخاص.
ريم لم تطلب العودة إلى سريري.
وهذا أنقذها في عيني.
طلبت وقتًا لتتعرف على جود.
وطلبت السماح دون أن تطالب بالمغفرة.
وحكت لي حقيقة خروجها من البيت أول مرة.
الفقر.
التعب.
الخجل من أنها اختارت الحب ثم لم تعرف كيف تعيشه بعيدًا عن الرفاهية.
لم تبرر.
قالت لي ذات مساء في أحد منتزهات الرياض بينما كانت جود تلعب قريبًا
أنا تركتك. هذا كان خطئي. الباقي فعلوه بي، لكن هذه كانت غلطتي أنا.
أوجعني أن أسمع ذلك.
لكنه أراحني أيضًا.
لأنني كنت أحتاج أن يكون لجزء من القصة اسم صحيح.
قلت
جود بكت عليك ليالي كثيرة.
أغمضت عينيها.
أعرف.
قلت بحدة هادئة
لا. ما تعرفين.
تقبلت الضربة.
عندك حق. ما أعرف.
بعد أشهر، نادتها جود ماما للمرة الأولى.
حدث ذلك بلا استعداد.
سقط الآيس كريم من يد جود في أحد المجمعات، فانحنت ريم لتنظف فستانها.
قالت جود بانزعاج
ماما، قولي لبابا لا يضحك.
لم أكن أضحك.
كنت أبكي.
تجمدت ريم في مكانها.
لم تفهم جود الزلزال الذي أحدثته بكلمة واحدة.
سألت
وش فيكم؟
احتضنتها ريم ببطء.
وهذه المرة، احتضنتها جود أيضًا.
لم نستعد السنوات الخمس.
لا أحد يستعيد ذلك.
ريم لم ترَ أول سن سقط لجود.
ولا أول يوم مدرسة.
ولا حمى عمر الثلاث سنوات.
ولا الليلة التي سألتني فيها جود إن كانت النجوم يمكن أن تنطفئ.
وأنا لم أستعد المرأة التي رحلت وتركت رسالة قاسية في سرير طفلتها.
التي عادت كانت امرأة أخرى.
وأنا أيضًا كنت رجلًا آخر.
لم نعد إلى الزواج كما كنا.
على الورق، كانت الأمور معقدة؛ لأن موتها لم يحدث أصلًا، والطلاق نفسه كان محل اعتراض بسبب التلاعب والضغط والتزوير.
يا للسخرية.
الأوراق كانت تربطنا حين كانت الحياة قد مزقتنا.
لكننا لم نستعجل.
تعلمنا أن نجلس على الطاولة نفسها.
أن نتحدث دون أن نمزق بعضنا بالكلمات.
أن نسمح لجود أن تحب دون أن تختار طرفًا.
خسر والدا ريم الكثير.
ليس كل شيء.
الأغنياء نادرًا ما يخسرون كل شيء.
لكنهم خسروا السيطرة.
وكانت السيطرة عندهم أغلى من المال.
فُتحت تحقيقات في التزوير، والضغط، واحتجاز إنسانة وعزلها عن حياتها.
اختفت نورة من المناسبات الاجتماعية التي كانت تحرص على حضورها.
واضطر عبدالعزيز لبيع أحد أملاكه لدفع تكاليف محامين لم يستطيعوا شراء الصمت كاملًا.
وشهدت ريم ضدهما.
وهي ترتجف.
لكنها شهدت.
يوم خرجت من المحكمة، قالت لي
اليوم طلعت من بيت أهلي فعلًا.
احتضنتها.
ليس كزوج بعد.
بل كشاهد.
كرجل يعرف معنى أن تعبر بابًا كان يبدو مستحيلًا.
بعد عامين، أصبحنا نعيش في شقة مضيئة في الرياض، فيها نباتات تحاول ريم ألا تجعلها تذبل.
جود أصبحت في الثامنة.
ولديها فرشاتا أسنان في الحمام، لأنها تقول إن واحدة تخص بيت قبل، والثانية تخص بيت الآن.
أنا ما زلت أصمم البيوت.
وريم تعمل في معرض فني صغير، ليس المعرض القديم، مكان لا ينطق أحد فيه اسم عائلتها وكأنه مفتاح.
أما ماجد، فيأتي للعشاء بعض أيام الجمعة.
جود سامحته قبلي.
وأنا ما زلت أصب له قهوة أقل مما يطلب.
الحياة لم تعد كما كانت.
كانت أفضل من ذلك.
كانت حقيقية.
أحيانًا، في الليل، أرى
ريم نائمة، فأشعر بوخزة غضب قديم.
أفكر في السنوات الخمس.
في المكالمة.
في ابنتي وهي تسأل عن نجمة في السماء.
فتستيقظ ريم كأنها تشعر بثقل نظرتي.
تهمس
آسفة.
لم تعد تقولها خوفًا أو عادة.
تقولها لأنها أيضًا تعيش مع أشباحها.
أمسك يدها.
وأقول
وأنا أيضًا.
لأنني أخطأت أيضًا.
ليس لأنني صدقت أنها ماتت.
بل لأنني لم أطالب بقبر.
ولا بشهادة.
ولا بحقيقة.
لأنني قبلت أن أناسًا يملكون المال يستطيعون أن يغلقوا بابًا ويُسمّوا الكذبة قدرًا.
بعد خمس سنوات من فقدان زوجتي، ذهبت أنا وابنتي إلى زفاف أعز أصدقائي.
وعندما رفع غطاء وجه العروس، رأيت ريم.
حية.
مكسورة.
ليست لي بالكامل، وليست بعيدة عني بالكامل.
أم ابنتي.
ضحية والديها.
مذنبة لأنها رحلت.
وبريئة لأنها دُفنت وهي على قيد الحياة.
سألتني جود يومها
بابا… ليش تبكي؟
لم أعرف كيف أشرح لها أن الإنسان أحيانًا يبكي لأن الميت يعود، لكنه يبكي أيضًا لأن الحزن كان حقيقيًا.
لأن الفرح قد يؤلم حين يأتي متأخرًا.
لأن احتضان شخص حي لا يمحو الليالي التي بكيت فيها عليه ميتًا.
اليوم أستطيع أن أجيبها.
كنت أبكي لأن كل ما سُرق مني كان واقفًا أمامي.
كنت أبكي لأن ابنتي صار لها أم، وأنا صار عندي أسئلة.
كنت أبكي لأن الحب لا يعود نظيفًا دائمًا.
يعود محملًا بالغبار، والأوراق، والندم، والندوب.
لكنه يعود.
وحين يعود، يقرر الإنسان هل ينظر إليه كمعجزة أم كجرح.
وأنا اخترت أن أنظر إليه كليهما.
لأن تلك الليلة في المزرعة لم تُعد لي الماضي.
أعادت لي الحقيقة.
وأحيانًا لا تعيد لك الحقيقة السنوات.
لكنها تعيد لك حقك في أن تعيش ما تبقى دون كذب.