المغسلة
ـلاقة قوية، لكن زعلت عليها جدًا، لأنها كانت لسه صغيرة في السن، والمــ . ــوت خطفها فجأة.
والصراحة، زعلت أكتر على حال البيت نفسه، وعلى حال الراجل صاحب البيت، لأن قبل الزوجة دي كانت له زوجة برضو اتوفت، وبنته الصغيرة كمان اتوفت.
الناس كلها كانت دايمًا تقول إن البيت ده قدمه وحش عليه أوي، وإن من ساعة ما بناه والمصايب فيه ورا بعض، لكن أنا عمري ما اقتنعت بالكلام ده.
كلها أقدار ربنا.
لبست هدومي وروحت عشان أغسل الست، وأول ما وصلت هناك لقيت أهلها واقفين منهارين من العياط، حزن تقيل مالي المكان، وعيون ماوقفتش دموعها.
لكن اللي شدّ انتباهي فعلًا، إن بنت جوزها الكبيرة، طفلة كانت واقفة بهدوء غريب، لا عياط، لا صدمة، ولا حتى نظرة حزن واضحة.
الراجل ده، بعد وفـ . ـاه زوجته الأولى اللي كانت مريضة بالمرض الخبيث، بقى لوحده مع بنتين صغيرين.
وطبعًا بعد الوفـ . ـاه، سابت البنات لوحدهم، والناس قعدت تنصحه يتجوز، وقالوله مش هتعرف تربي بنتين لوحدك، دول محتاجين أم وحد يكون حنين عليهم.
خصوصًا إن شغله كان بيخلبه يسافر بالأسابيع، وماكانش له حد يساعده، والدته متوفــ . ــية، وملوش أخوات بنات.
بعدها بسنة من وفـ . ـاه زوجته، راح اتقدم لواحدة قالوا عليها في البلد إنها عقيم ومنفصلة عن جوزها بسبب إنها ما بتخلفش.
والناس شجّعوه وقالوله دي هتبقى مناسبة ليك جدًا، ربنا حرمها من الخلفة فهتبقى أحنّ إنسانة على بناتك، وكمان مش هتخلف عيال تاني.
وهو فعلًا اقتنع، لأن السبب الرئيسي في جوازه كان بناته، كان بيحبهم جدًا، وكان نفسه يلاقي أم تحتويهم وتديهم الحنان اللي اتحرموا منه.
المهم ساعتها قال: حلو جدًا… ودي هتبقى مناسبة ليا، وراح اتقدم لها.
وطول فترة الخطوبة، كان الأب عاملها زي اختبار مستمر، يراقب تصرفاتها مع البنات بدقة، يشوف طريقتها، صوتها، صبرها، وحتى نظراتها، وكان مقتنع إنه لازم يطمن قبل ما يدخل حد غريب حياتهم.
والصراحة…
كانت بتعامل البنات أحسن معاملة ممكنة، اهتمام، حنية، ضحك، لعب، لدرجة إن الكل كان بيشهد إنها إنسانة طيبة وقلبها أبيض، والبنات نفسهم تعلّقوا بيها بسرعة غريبة.
والبنات حبوها جدًا، واعتبروها زي والدتهم بالظبط، لدرجة إنهم كانوا بينادوها “يا ماما”، والأب كان فرحان وسعيد إنه أخيرًا اختار واحدة تحتويهم وتعوّضهم عن الحنان اللي فقدوه.
وساعتها تمت الجوازة، والبيت دخل مرحلة جديدة مليانة أمل، والزوج فضل على نظام سفره المعتاد، أسبوعين برّه وأسبوع في البيت، وهو مطمئن إن بناته في أمان.
وبعد الجواز بكام شهر، الصدمة ضــ . ـربت فجأة، البنت الصغيرة وقعت من فوق السطح في حـ .ــادثة هزّت البلد كلها، حزن تقيل نزل على البيت، والكل كان مش مستوعب اللي حصل.
الأب كان منهار تمامًا، حزين على بنته حزن عمره ما هينساه، لكن المصيبة الأكبر جات بعدها بسنة بالظبط، لما الزوجة نفسها وقعت من فوق السطح بنفس الطريقة تقريبًا.
الناس كلها بقت تضــ . ـرب كف على كف، تسأل: إيه اللي بيحصل في البيت ده؟ ليه كل المصايب دي؟ لكن أنا عمري ما اقتنعت بكلام “البيت قدمه وحش”.
كلها أقدار.
دخلت أغسل الزوجة، وأنا حزينة جدًا على شبابها ونهايتها المفاجئة، المياه بتنزل بهدوء، والغرفة ساكتة بشكل يخوّف، لحد ما فجأة سمعت صوت طرقعة ناشف.
وقفت مكاني، وعيني راحت مباشرة على إيديها، وفي اللحظة دي شفت ضفر بينخلع ببطء مرعب، وبعده ضفر تاني، والتالت، والطرقعة تتكرر مع كل سقوط.
ضوافرها كانت بتقع واحدة ورا التانية، منظر يخوّف، لكن المرعب فعلًا كان الصوت، طرقعة ناشفة كأن الجسم نفسه بيتفكك قدّامي وأنا مش قادرة أتحرك.
خلصنا الدفــ . ــنة، وروحت آخر اليوم أعزي، لكن كان عندي فضول قاتل أعرف حكاية الست دي، وإيه سر الضوافر اللي كانت بتقع بالشكل المرعب ده أثناء الغسل.
أول ما وصلت، لقيت الناس كلها قاعدين بيعزّوا، حزن واضح على وشوشهم، لكن اللي شدّني أكتر بنت جوزها، طفلة عندها حوالي 14 سنة، قاعدة بهدوء غريب.
قعدت جنبها وقلت لها البقاء لله يا حبيبتي، ربنا يرحمهم جميعًا، والدتك، أختك، ومرات والدك، كانوا ناس طيبين.
رفعت عينيها وبصّت لي، والدموع بدأت تنزل بهدوء، وقالت بصوت مكسور: طيبة؟ حنينة؟ لا…
قالتلي: هي كانت بتمثل طول فترة الخطوبة، كانت بتضحك، وتلاعبنا، وتعمل نفسها أحنّ واحدة، لحد ما اتجوزت بابا واتقفلت الأبواب علينا.
بعد الجواز، كل حاجة اتغيّرت، بقت عصبية، قاسية، تضــ . ـربنا، تهيننا، كانت تقرصنا وتغرز ضوافرها في جسمنا.
قالت وهي بتعيط: كانت مربية ضوافرها بشكل مرعب، طويلة وحادة، وكل ما تزعل مننا تمسكنا وتغرزها في جلدنا لحد ما نصرخ من الوجع
وقالتلي بجملة خلت دمي يجمّد: واللي حصلها… ده عشان اللي عملته في أختي، ربنا ما بيسيبش حق حد، وكل حاجة بتترد.
سألتها وأنا قلبي مقبوض: عملت في أختك إيه؟ فقالت: أنا قلت لناس كتير إنها السبب في مــ . ــوتها، لكن محدش صدقني، لأن بابا كان دايمًا مسافر.
كانت بتقرصنا وتغرز ضوافرها اللي مربيّاها في جسمنا، تسيب خدوش توجع، وتضحك ببرود، كأن ألمنا لعبة، وكأن دموعنا ما تعني لها شيئًا أبدًا
قولتلها: أيوه، يمكن غيابه كان بسبب شغله وحكم الظروف، ردّت بسرعة وعينيها مليانة خوف: الكام اسبوع اللي كان بيغيبهم، كانوا جحيم، ضــ . ـرب وقرص وصريخ، وضوافر بتتغرز في جلدنا من غير رحمة
كانت تصحّينا من النوم على وجع مفاجئ، تمسكنا بعنــ . ــف، تقرص وتخدش، ولما بابا يرجع، تتبدل فجأة، تبقى حنينة قدامه، تضحك وتدلّع، تمثل دور الأم المثالية بإتقان يخلي أي حد يصدقها فورًا
