فصلت 28مربيه

فصلتُ ثمانيًا وعشرين مربية خلال أسبوعين لم يكن المال يومًا هو المشكلة فقد كنت بالفعل امرأة فاحشة الثراء لكن صبري كان ينفد سريعًا اسمي ماريا أوجينيا سالفاتييرا سيدة أعمال في مجال العقارات أعيش في مدريد وبلغت الثانية والأربعين من عمري وكان بإمكاني دفع أي راتب يُطلب لكنني لم أعد أملك القدرة على الاحتمال بناتي الست توائم في السابعة من العمر لوسيا وكارمن وصوفيا وإينيس وباولا وإيلينا كن ذكيات وحساسات لكن منذ وفاة والدهن تحوّلن إلى عاصفة لا تُروَّض لم تصمد أي مربية أكثر من يومين نوبات بكاء لا تنتهي نوبات غضب ورفض مطلق لأي سلطة حتى أنا فقدت السيطرة مرات لا أُحصيها

في ذلك الصباح كنت قد عقدت العزم على إنهاء الأمر دخلت آنا بيلين موراليس شابة سمراء نحيلة ترتدي ملابس بسيطة وتحمل ملفًا مهترئًا تحت ذراعها جاءت من حي شعبي بحسب سيرتها خبرتها محدودة نظرتُ إليها بتشكك لم أوظفها عن قناعة بل لأؤكد ما كنت أعلمه مسبقًا أنها ستفشل كما فشل الجميع

لم أعطها تعليمات خاصة حذرتها فقط من أن البنات قد يكن صعبات الأطوار أومأت بهدوء دون مبالغة وقالت سأتعرف عليهن لا أكثر حين صعدنا إلى غرفة الألعاب كانت بناتي في حالتهن المعتادة صراخ ألعاب تتطاير حرب مفتوحة ضد أي شخص بالغ

وقفت أراقب من عند الباب وذراعاي معقودتان آنا لم ترفع صوتها لم تُصدر أوامر جلست على الأرض في مستواهن وبدأت تجمع قطع أحجية مكسورة علّقت بهدوء كأنها تُحدّث نفسها أن بعض القطع مفقودة وأن هذا يُحزنها اقتربت لوسيا أولًا ثم كارمن وخلال أقل من عشر دقائق كنّ جميعًا حولها سألت آنا عن أسمائهن وكررتها بدقة واحدة تلو الأخرى ثم اقترحت لعبة بسيطة أن يُعيدن بناء شيء معًا

بعد ثلاثين دقيقة عمّ الصمت الغرفة وبعد خمس وأربعين دقيقة انطلقت الضحكات ضحكات صافية حقيقية لم أسمعها منذ سنوات خلال أقل من ساعة كانت بناتي الست متعلقات بها يضحكن بصوت عالٍ ويتسابقن على حكاية قصصهن شعرت بالشلل ضغط في صدري خليط من خجل وارتياح كنت أشهد شيئًا لم يستطع ثمانية وعشرون شخصًا ولا حتى أنا أن أفعله

رفعت آنا بصرها في تلك اللحظة ونظرت إليّ مباشرة وقالت بهدوء سيدة ماريا أوجينيا أظن أن بناتك لا يحتجن مربية بل يحتجن من يصغي إليهن

وفي تلك اللحظة أدركت أن شيئًا ما تغيّر إلى الأبد

لم أُجبها فورًا لم أكن أعرف كيف أرد على جملة بهذه البساطة التي كشفت كل عُقدي دفعة واحدة وقفت عند باب غرفة الألعاب أراقب بناتي وهن يلتصقن بآنا كأنها تعرفهن منذ أعوام لا منذ دقائق ورأيت في أعينهن شيئًا افتقدته طويلًا الأمان لم يكن الأمر سحرًا ولا حيلة تربوية ذكية كان حضورًا خالصًا شيئًا لم أقدمه لهن منذ رحيل أبيهن لأنني كنت أظن أن القوة تعني السيطرة وأن الصلابة هي الطريقة الوحيدة للبقاء

جلست على الأريكة للمرة الأولى منذ شهور دون أن أتوتر من الصمت لم يكن الصمت صراعًا هذه المرة بل راحة لاحظت أن آنا لا تحاول أن تكون بديلة عن الأب ولا أن تفرض نفسها كأم أخرى كانت فقط موجودة تسمع وتلاحظ وتترك لهن المساحة ليكن أطفالًا لا مشاريع إصلاح

في الأيام التالية لم تتغير البنات فجأة لكن تغير الإيقاع لم تعد الصباحات تبدأ بالصراخ ولا الليالي تنتهي بانهيار كانت آنا تحافظ على روتين بسيط ثابت وتشرح لهن كل شيء قبل حدوثه لا مفاجآت لا أوامر مفاجئة لا عقاب بلا تفسير كنت أراقب من بعيد وكأنني أتعلم من جديد كيف تكون الأمومة دون صراع

شيئًا فشيئًا بدأت أسمع حكايات لم أسمعها من قبل عن خوفهن من أن يُنسين أباهم وعن شعورهن بأن البيت أصبح باردًا بعد موته وعن غضبهن الذي لم يعرف طريقه للخروج كنت أظن أن المال سيعوّض الفراغ لكنني كنت مخطئة المال يبني الجدران لكنه لا يملأ القلوب

ذات مساء جلست آنا معي بعد أن نامت البنات سألتني عن والدهن وعن كيف كنت قبل رحيله لم يكن سؤالها فضوليًا بل إنسانيًا كأنها تفتح بابًا مغلقًا منذ زمن طويل تكلمت لأول مرة دون حساب عن وحدتي وعن خوفي من الانهيار وعن قراري بأن أكون قوية بأي ثمن حتى لو كان الثمن نفسي وبناتي استمعت دون أن تقاطع ودون أن تُقدم نصائح جاهزة وحين انتهيت قالت بهدوء القوة الحقيقية ليست في أن تتحملي كل شيء وحدك بل في أن تسمحي لمن حولك أن يشاركوك الحمل

في تلك الليلة بكيت بصمت بعد أن غادرت شعرت أنني كنت أمشي لسنوات بظهر مستقيم يخفي تصدعات عميقة وأن وجود آنا لم يكشف ضعفي بل سمح لي أخيرًا أن أراه دون خجل

لم يكن المجتمع من حولي رحيمًا كما توقعت بدأت الهمسات لماذا مربية بسيطة تتحكم في بيت مليارديرة ولماذا تتعلق بها البنات أكثر من أمهن ولماذا أثق بها كل هذه الثقة لكنني للمرة الأولى لم ألتفت كنت أرى التغيير في بناتي وهذا كان كافيًا

بعد شهرين طلبت مني آنا أن نتحدث بخصوص عملها ظننت أنها ستطلب زيادة أو شروطًا خاصة لكنها فاجأتني بقولها إنها لا تريد أن تكون مجرد مربية بل شريكة في خطة علاجية طويلة الأمد للبنات اقترحت جلسات دعم نفسي وأنشطة فنية ومساحات للتعبير عن الفقد دون خوف من العقاب أدركت وقتها أنني أمام امرأة لم تُنقذ بناتي بالصدفة بل بالوعي

بدأنا العمل مع مختصة نفسية وكنت أنا أول من جلس في الجلسات لأنني فهمت أخيرًا أن البنات لا يحتجن أمًا كاملة بل أمًا حقيقية ومع كل أسبوع كان البيت يخف من ثقله وكنت أستعيد نفسي قطعة قطعة

في أحد الأيام سألتني صوفيا إن كنت أحب آنا ابتسمت وقلت لها نعم أحبها لأن من يحب أولادي بصدق يستحق الحب ضحكت وقالت إذًا هي من العائلة شعرت وقتها أن التعريف القديم للعائلة كان ناقصًا

مرت سنة كاملة لم أفصل خلالها مربية واحدة ولم أصرخ في وجه بناتي مرة واحدة لم تصبح الحياة مثالية لكنها صارت إنسانية وهذا كان كافيًا

في ذكرى وفاة والدهن اجتمعنا جميعًا في الحديقة زرعنا شجرة باسمه وتحدثت البنات عنه دون خوف أو بكاء هستيري كانت آنا تقف بجانبي لا في المقدمة ولا في الخلف فقط قريبة بما يكفي

في تلك اللحظة فهمت أنني لم أفصل ثمانيًا وعشرين مربية بسبب فشلهم وحدهم بل لأنني كنت أبحث عن شيء لا يُشترى شخص يرى ما وراء الغضب ويملك الشجاعة ليبقى

اليوم حين أنظر إلى الوراء لا أشعر بالخجل من ضعفي السابق بل بالامتنان لأنني توقفت في الوقت المناسب وأدركت أن القيادة لا تعني أن تمسكي بكل الخيوط بل أن تعرفي متى تسلمين بعضها لمن يستحق

آنا لم تنقذ بناتي فقط بل أعادتني إليهن وإلى نفسي ومنذ ذلك اليوم لم أعد أسأل كم سأدفع مقابل العمل بل من يستحق أن يكون حاضرًا في حياتنا

وهكذا تغير كل شيء ليس بضجيج ولا معجزة بل بإنسانة جلست على الأرض والتقطت أحجية مكـ,ـسورة وقالت إن القطع الناقصة تُحزنها فقررنا جميعًا أن نبحث عنها معًا

النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *